الأزمة الخليجية: السيناريوهات الثلاثة المحتملة بقلم :البشير محمد لحسن

[hupso]
لازالت المنطقة العربية تعيش على تداعيات الأزمة المتصاعدة في منطقة الخليج العربي، والتي دخلت مناطق كانت محظورة حتى الأمس القريب في العلاقات بين مختلف دول مجلس التعاون الخليجي حتى أصبح من الصعوبة بما كان على المحللين توقع الخطوة أو الخطوات التالية التي تتخذها البلدان الأربعة الرئيسية بقيادة السعودية، اضافة الى الحكومات التابعة كاليمنية والليبية والمالديفية.
التصعيد الإعلامي الذي سبق قرار خنق قطر بكل ما تحمل الكلمة من معنى سياسياً، تجارياً وحتى إجتماعياً كان يقود حتماً إلى تصعيد ميداني يترجم على شكل عقوبات وقطع كل أشكال العلاقات مع الإمارة الصغيرة، فما هي الخيارات المتبقية أمام قطر وماهي تكاليفها السياسية والاقتصادية؟
يتمثل السيناريو الأول في عدم رضوخ الدوحة لمطالب السعودية والإمارات ومصر والبحرين، ومواصلة، رغم الحصار، سياساتها الداعمة للإخوان المسلمين عموماً وحماس بصفة خاصة، وعدم تصنيف حزب اللّٙه كمنظمة “إرهابية” والإبقاء على قيادات الإخوان داخل أراضيها إلى غير ذلك من المطالب الرباعية لدولة قطر. ويعني إغلاق المنافذ البرية والبحرية والجوية السعودية غلق رئة الدوحة التي تتنفس منها تجارياً على الأقل حيث تستورد قطر من السعودية سنوياً ما مجموعه خمس مليارات دولار كسلع ومواد غذائية وخضر وغيرها ناهيك عن مواد البناء التي تحتاجها قطر بصفة ملحة من أجل إكمال البنى التحتية التي ستحتضن مونديال 2022، فضلاً عن الاثر الذي قد يتركه انسحاب قرابة ال 390 شركة سعودية تنشط بالسوق القطرية، خاصة في مجال المقاولات والبنى التحتية وهو ما سيؤثر حتماً على المشاريع التي تنفذها تلك الشركات. ويرتكز السيناريو الأول المطروح على لجوء الدوحة إلى إيران وتركيا كبديل لتعويض النقص في التزود بمختلف المواد التموينية، وفي هذا الصدد عبرت إيران عن استعدادها لتصدير مختلف المحاصيل الزراعية والمواد الغذائية إلى قطر عبر ثلاثة موانئ تقع جنوب البلاد، وقال رئيس نقابة مصدري المحاصيل الزراعية في إيران، رضا نوراني، أن بلاده تستطيع شحن مختلف السلع التموينية إلى الدوحة خلال مدة لا تتجاوز 12 ساعة. ولا يبدو هذا السيناريو مستبعداً نظراً لمقدمات سياسية كانت قد سبقته من بينها تهنئة أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد، للرئيس الإيراني، حسن روحاني، بمناسبتي إعادة انتخابه وحلول شهر رمضان المبارك نهاية الشهر الماضي، واصفاً إيران بأنها قوة إقليمية لا يجب معاداتها وأنه سيطلب من أجهزة الدولة إتخاذ الإجراءات اللازمة لتقوية العلاقات بين البلدين، وكانت هذه الرسالة هي القطرة التي افاضت الكأس السعودية. ورغم أن تركيا لم تتحمس للدفاع عن الدوحة مكتفية بعرض التوسط، غير أن أردوغان لن ينسى فضل قطر ووقوفها إلى جانبه أثناء الإنقلاب العسكري الفاشل، في يوليو/ تموز الماضي وإفراد قناة الجزيرة تغطية مباشرة وخاصة له، كما أن العلاقات السعودية التركية تشهد فتوراً مستمراً، فضلاً عن التركية الأمريكية التي تجتاح فتراتها الأكثر برودة. لذلك لا نستبعد أن تقرر أنقرة تزويد الدوحة بكل ما تحتاجه من مواد البناء ومختلف السلع عبر موانئ بوشهر وبندر عباس وبندر لنكه الإيرانية. دافع انقرة ليس بالضرورة حب القطريين، بقدر ماهو نكاية في الامارات التي اظهرت ترسيبات بريد سفيرها بواشنطن، يوسف العتيبي، تأييد ابوظبي للمحاولة الانقلابية الفاشلة ضد اردوغان الصيف الماضي. ما يعزز هذا الطرح هو اتصال الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بأمير قطر اليوم ليعبر له عن تضامن بلاده مع الدوحة في محنتها.
السيناريو الثاني؛ يرتكز على اصرار الدوحة ورفضها عدم التتازل عن سياساتها، وبالتالي عدم اللجوء الى ايران في تويرد ما تحتاجه مخافة مزيد من صب الزيت على النار واغضاب السعودية، ويقتضي هذا الخيار أن تعتمد قطر على نفسها وتتزود بمختلف السلع التموينية عبر الجو أو البحر من مصادر محايدة، لكن هذا الخيار مكلف للغاية ولا يملك الإقتصاد القطري ترف تحمله لفترة طويلة، هذا إذا أضفنا للسلع الغذائية مواد البناء والتشييد المُكْلِف نقلها، ولا يمكن الصمود طويلاً هي هذا الإتجاه نظراً للعقوبات المالية والإقتصادية التي فرضتها البلدان الأربعة الرئيسية، خاصة مع تسجيل الإقتصاد القطري عجزاً كبيراً منذ سنة 2016 مع تراجع أسعار المحروقات، كما أن قراءة متأنية للمؤشرات السياسية توضح أن الدوحة لا تود السير في إتجاه التصعيد وأنها تعول على الوساطة الكويتية التي بدأها فعلاُ أمير الكويت الشيخ صباح الاحمد الصباح.
أما السيناريو الأخير فيفترض أن تتراجع قطر عن سياساتها وتعود لبيت الطاعة السعودي وتقبل بكل شروط الرياض وأبوظبي والقاهرة وبذلك تتخلى عن مبادئها التي رسمتها لنفسها منذ سنوات حتى أصبحت فاعلاً إقليمياً لا يمكن تجاوزه، وهذا تحديداً هو ما يزعج السعودية التي ترى في المنافسة القطرية خطر على مصالحها ورغبتها في الرزعامة وتولي قيادة منطقة الخليج والشرق الأوسط عموماً، وهذا الخيار هو الآخر مستبعد وغير مطروح بالنسبة للقيادة القطرية، على الأقل في الوقت الراهن، وهو ما عبّر عنه بيان مجلس الوزراء القطري الصادر اليوم في فقرته الثالثة بقوله: “لقد كان واضحا منذ البداية أن الهدف من وراء الحملة الإعلامية وقرار قطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية وإغلاق الحدود هو ممارسة الضغوط على دولة قطر لتتنازل عن قرارها الوطني وسيادتها وسياستها المرتكزة أساسا على حماية مصالح شعبها”. هذه الكلمات توضح أن قطر لا تنوي الإستسلام ومراجعة مواقفها، بل وتريد القول أنها تمتلك نفساُ طويلاً في معركة تهشيم العظام.
ويرى بعض المحللين السياسيين أن الأزمة يمكن أن تنتهي بتدخل عسكري ثلاثي، سعودي وإماراتي ومصري، لكن الوقائع على الأرض تؤكد صعوبة حدوث ذلك، نظراً لتواجد قاعدة “العديد” العسكرية الأمريكية ومن البديهي أن ترفض واشنطن أي حرب في محيطها، إضافة إلى وجود دول خليجية ترفض التدخل العسكري كالكويت وسلطنة عمان، كما أن الجيش القطري لا يقل تجهيزاً وكفاءة وعتاداً عن نظيريه السعودي والإماراتي رغم قلة عدد منتسبيه.
وقد روج الإعلام المصري إلى إمكانية حدوث إنقلاب عسكري أو تمرد داخل الأسرة الحاكمة في قطر، وهذا الإحتمال ضعيف للغاية لأن المناصب العسكرية العليا هي في يد الأمير أو المقربين منه، كما أن الجيش يدين بالولاء له وللعائلة المالكة، وما يضحد نظرية حدوث تمرد داخل الأسرة الحاكمة هو عدم وجود أي شخصية بارزة وذات ثقل وحضور، سواء داخل قطر أو خارجها تعارض الأمير الحالي.
ورغم طرح المحللين لبعض السيناريوهات المحتملة، غير أن الأزمة قد تأخذ أبعاداً أخرى ومسارات لم نتوقعها نظراً لجدية وقوة الحملات الإعلامية وصرامة وجدية السعودية والامارات ومصر في خنق قطر وإحكام الحصار الاقتصادي والمالي عليها ودخول الأزمة مرحلة كسر العظم في ظل عدم إستعداد أي طرف للتنازل في الوقت الراهن على الأقل. بعض ملامح المستقبل المنظور كشفت عنه صحيفة “الرياض” المقربة جداً من الرجل الأقوى بالمملكة ولي ولي العهد، محمد بن سلمان، بقولها بقولها أن “القادم أسوأ”، ففي أي اتجاه يسير ذلك القادم؟


بالفيديو تسجيلات الفريق الاعلامي من المناطق المحتلة (نافذة متجددة)

[tubepress mode=”user” userValue=”EquipemediaSahara”]