استعادة مدينة الموصل من قبضة تنظيم “الدولة الاسلامية”: أربعة ألغاز تنتظر الحل بقلم:البشير محمد لحسن

[hupso]

منذ أن سيطر تنظيم “الدولة الإسلامية” على مدينة الموصل، ثاني كبرى مدن العراق، في العاشر من يونيو/ حزيران 2014، وهو يُحضّر نفسه لمعركة كانت تبدو له وشيكة تتمكن من خلالها القوات العراقية، بعد استعادة معنوياتها من استرجاع المدينة. لذلك، لم يتوقف قادة التنظيم العسكريون لحظة واحدة عن تحديث خططهم العكسرية للدفاع عن المدينة وتحصين وتنويع خطوط الدفاع عنها وتحضير ما أمكن من مكائد وكمائن للقوات المهاجمة سواء كانت عراقية أو غيرها. ومع كل إنتصار ميداني تحرزه القوات العراقية وقوات البيشمركة ومختلف ميليشيات الحشد الشعبيضد التنظيم في إطار عملية “قادمون يا نينوى” التي أعطى إشارة انطلاقها رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، في الـ 17 من أكتوبر/ تشرين الأول 2016، تتفاجأ تلك القوات بأن دحر التنظيم من الموصل أبعد من أن يكون جولة خاطفة نتيجة التحصينات العسكرية التي بناها طيلة السنتين ونصف التي سيطر خلالها على المدينة قبل إنطلاق عملية تحريرها. ولا ترغب حكومة العبادي في تكرير سيناريو الرمادي سنة 2015، حيث اعتمد الجيش العراقي كلية على سلاح الجو والغارات الجوية الأمريكية وهو ما تسبب في تدمير ما يفوق الـ70% من المدينة وتسويته بالأرض وفرار جميع سكانها تقريباً البالغ تعدادهم 350 ألف نسمة. وفيمايلي استعراضُلبعض الألغاز التي حيّرت القادة الميدانيين العسكريين وحتى الخبراء في الجماعات الجهادية، ويُنتظر أن يتم إزالة الغموض عنها، أو بعضها، مع استعادة المدينة من قبضة التنظيم.

1/ سِرُّ التخطيط العسكري وإستراتيجية إدارة العمليات العسكرية:

تَمثّل أول تكتيك عسكري لجأ التنظيم إليه تزامناً مع انطلاق العملية في “الهجمات التضليلية”، ونقصد بها محاولة التنظيم تشتيت تركيز القوات المهاجِمة بغرض تخفيف الضغط على المقاتلين المدافعين عن المدينة. ففي الـ 20 من أكتوبر/ تشرين الأول، أي بعد ثلاثة أيام من بدء العملية، هاجم أكثر من مئة مسلح من مقاتلي التنظيم مدينة كركوك مسيطرين على مبانِ حكومية، وهو الهجوم الذي أسفر عن سقوط زهاء المئة قتيل معظمهم من المدنيين. وقد نجح التنظيم نسبياً في إرباك القوات المهاجِمة على الموصلبعد اضطرار قوات البيشمركة لسحب ألفي مقاتل وإرسالهم إلى مدينة كركوك للدفاع عنها. وكان تكتيك التنظيم هذا يهدف في المحصلة إلى قطع وإرباك خطوط الإمداد بين بغداد وكركوك من جهة، وبين كركوك والموصل من جهة أخرى وبالتالي إدخال القوات العراقية والكردية في حالة حصار. نفس التكتيك، أي “الهجمات التضليلية”، عاد التنظيم لإستخدامه في كل من الرطبة غرب العراق وسنجار قرب الموصل والتي تتركز فيها غالبية إيزيدية.

العربات المفخخة هي الأخرى شكلت تحدياً لم تتمكن القوات العراقية من التغلب عليه إلى يومنا هذا رغم مرور قرابة التسعة أشهر على بدء عملية استعادة الموصل. وتعدّ السيارات المفخخة سلاح غير مكلف بالنسبة للتنظيم بالنظر إلى توفره على آلاف العربات ناهيك عن مئات المقاتلين المسجلين على قوائم العمليات الإنتحارية. ومما يُعقّد التصدي للعجلات المفخخة هو عدم فعالية الأسلحة الخفيفة وحتى المتوسطة في ردعها لأن تلك العربات تكون مصفحة وفي غاية التمويه، وهو ما يتطلب التحضير الدائم للصواريخ المضادة للدورع أو حتى الغارات الجوية، لكن ذلك ليس متاح في الغالب لأن التنظيم يجيد إختيار أوقات تنفيذ عملياته، بعد عمليات الرصد والتجسس لتأتي المباغتة، ولازالت السيارات المفخخة تحصد أرواح عشرات الجنود ومنتسبي مختلف ميليشيات الحشد الشعبي والقوات الكردية، ويُرسل التنظيم موجات من الإنتحاريين أو العربات المفخخة لإستهداف تجمعات القوات المهاجِمة.

التكتيك الثالث تمثل في شبكات الأنفاق التي أقامها التنظيم طيلة سنوات سيطرته على المدينة، وتتميز أنفاق تنظيم “الدولة الإسلامية” بأنها ذات طبيعة تم تصميمها خصيصاً للوقاية من غارات الطائرات، وقد تعمّد التنظيم حفر بعضها تحت أماكن عامة كالمستشفيات والمساجد أو المدارس بغرض التمويه وتفادي لفت الإنتباه أو الرصد، كما أن بعض الإنفاق مجهزة بكل مستلزمات الحياة بما في ذلك مخزونات كافية من الوقود والمواد الغذائية وحتى التيار الكهربائي.وقبل انسحاب مقاتلي التنظيم عمدوا إلى تفخيخ بعضها بختلف أنواع الألغام بعضها تم ربطه حتى بنسخة من المصحف الشريف حسب رواية المقاتلين العراقيين، وتوجد مخارج بعض الأنفاق خارج مدينة الموصل نفسها وهو ما تتيح لمقاتلي التنظيم الإنسحاب إلى مناطق آمنة فور التضييق عليهم أو حتى إمكانية مباغتة قوات الإسناد المتمركزة في مناطق تعتبرها آمنة، وكلما أعلنت القوات العراقية عن استعادة منطقة معينة كلما فاجأها مقاتلو التنظيم من تحت الأرض بخروجهم من شبكات الأنفاق المعقدة. صعوبة معركة الأنفاق، التي تحولت الى متاهة،عبّر عنها العقيد الركن فلاح العبيدي بقوله أن قواته تخوض الحرب على جبتهين، مصرحاً في السادس من نوفمبر/ تشرين الثاني 2016 “أن الأمر في الموصل يبدو وكأننا نخوض حربين إثنين، واحدة في شوارع المدينة والأخرى في المدينة الأخرى التي تحت الموصل ويختبئ فيها مقاتلو تنظيم الدولة”. وتكون مداخل الأنفاق في الغالب ومخارجها في مناطق لا تثير الريبة أ حتى في بعض المنازل، إذ يستغل التنظيم الطبيعة الجغرافية المعقدة للمدينة والكثافة السكانية والعمرانية، ولم يكن بناء الأنفاق اعتباطياً بل تم تقسيمها إلى أنفاق للتخفي والإنسحاب، أنفاق كمخازن للذخيرة والمؤن والوقود، وأخرى مجهزة لسكن قادة التنظيم البارزين وتحتوي هذه الأخيرة على كل مسلتزمات الحياة. وفي الفاتح من نوفمبر/ تشرين الثاني 2016 نشرت قوات البيشمركة صوراً لما قالت إنها آلة حفر ضخمة تم العثور عليها في قرية “تيسخراب” التابعة لمنطقة بعشيقة بعد أن كان التنظيم يستخدمها في حفر الأنفاق.

2/ تصنيع المعدات العسكرية والطائرات المُسيّرة:

في الـ 14 من سبتمبر/ ايلول 2014 أعلن البنتاغون أن طائرات التحالف الدولي دمرت مصنعاً بمدينة الموصل يستخدمه تنظيم “الدولة الإسلامية” لتصنيع أسلحة كيمياوية. وكان المصنع يُنتج الأدوية قبل سيطرة التنظيم على المدينة، ليتم تحويله إلى معمل لإنتاج غازيّ الخردل والكلور السّامين. وفي الـ 14 من ديسمبر/ كانون الأول 2016، وبعد مرور أقل من شهرين على إطلاق عملية “قادمـــون يا نينوى”، تفاجأت القوات العراقية بحجم الصناعة العسكرية التي شيّدها التنظيم طيلة سنوات وجوده بالمدينة. فبمدينة قرقوش القريبة من الموصل وتحديداً بشارع “مارت شموني” تم الكشف عن وجود نظام متطور لتجميع مئات قذائف الهاون والصواريخ والعبوات الناسفة كان التنظيم يجري إختبارات عليها بشكل دوري. ولأجل ذلك تم تحويل منطقة كانت تستعملها الشاحنات في تفريغ حمولتها من البضائع التركية قبل توزيعها على متاجر المدينة إلى ورشة ضخمة لتجهيز السيارات المفخخة قبل انطلاقها لتنفيذ العمليات. ففي المبنى الأول، حسب شهادة خبراء ميدانيين، يتم تفكيك العربات ليتم تصفيحها بعد ذلك بصفائح معدنية مدرّعة ليتم إدخالها في مصنع قريب اتخذه التنظيم لتحميلها بعشرات الكيلوغرامات من المتفجرات المصنوعة محلياً. إلى ذلك، حوّل التنظيم أيضاً مصنع الاسمنت الموجود في قرية العريج جنوب الموصل إلى معمل لإنتاج قذائف الهاون والصواريخ والعبوات المتفجرة، ويعمد التنظيم الى وضع شعاراته على كل الأسلحة التي ينتجها. وفي الـ 12 من فبراير 2017 أعلنت وزارة الدفاع العراقية عن ضبط ستة معامل لإنتاج الأسلحة في الساحل الأيسر لمدينة الموصل من ضمنها صواريخ “جهنم”، و قنابر الهاون عيار 120، وصواريخ الكاتيوشا، وبراميل التفخيخ التي تستخدم لتجهيز العربات المفخخة، ومواد متفجرة تدخل في صناعة العبوات الناسفة. وبتاريخ الـثالث من مايو/ آيار 2017 أعلن قائد العمليات الثانية الخاصة التابعة لجهاز مكافحة الإرهاب العراقي، اللواء الركن معن السعدي، عن عثور قواته على مصنع كبير للأسلحة في منطقة اليابسات بالموصل. ونشر نفس الجهاز صوراً لعدد كبير من الذخائر والصواريخ قال انه تم انتاجها بالمعمل ومن بينها قنابر هاون بأحجام مختلفة وصواريخ موجهة وقواعد إطلاق جميع أنواع الصواريخ الموجهة. وفي الـ 26 فبراي/ شباط 2017 نشرت وكالة “أعماق” التابعة للتنظيم مقطعاً لطائرة مُسيّرة تقوم بإلقاء قذائف على تجمعات وعربات للقوات العراقية وبدقة متناهية. ولم يكن ذلك الشريط هو الأول من نوعه، فقد اعتدنا على نشر التنظيم بين الفينة والأخرى لمقاطع فيديو تُظهر استخدامه للطائرات من دون طيار. ولا يقتصر توظيف تلك الطائرات على القصف فقط، بل يتعداه إلى جمع المعلومات والتجسس والرصد لساعات طويلةبغرض تحديد مواقع وتمركزات القوات المهاجِمة قبل قصفها بمختلف أنواع القنابل. هذا فضلاً عن استعمال تلك الطائرات في تصوير العمليات التي تنفذها العجلات المفخخة ونشرها كمقاطع دعائية تصحبها في الغالب أناشيد جهادية تروج لفكر التنظيم المتطرف. وعلى سبيل المثال لا الحصر نشر التنظيم في الـ 24 من يناير/ كانون الثاني 2017 إصداراً بعنوان “فرسان الدواوين”. هذا الإصدار خصصه “المكتب الإعلامي لولاية نينوى” للترويج لسلاح الطائرات المُسيّرة التي قام التنظيم بتطويرها وصنعها واظهار براعة مقاتليه في استخدامها في الرصد والتجسس، ناهيك عن توجيه وتصوير العمليات الإنتحارية من الجو منذ إنطلاقها وحتى لحظة التفجير وبدقة عالية والتصوير البطيء في بعض الأحيان.

3/ إذاعة البيان.. الذراع الاعلامية الاقوى للتنظيم:

من بين الألغاز التي يُنتظر أن تشكف عنها استعادة الموصل من قبضة التنظيم هو سر بث إذاعة اليبان التي لازالت تبث برامجها ونشراتها الإخبارية إلى غاية تاريخ اليوم 01/07/2017. وتُعد إذاعة البيان أحد أهم أذرع التنظيم الإعلامية التي يتجاوز مدى بثها مدينة الموصل ليشمل الحدود العراقية السورية، كما يمكن إلتقاط برامجها في مدينة الرقة السورية ومحيطها بواسطة حزمة الترددات العالية (أف أم). ولم يمضِ أكثر من شهر على سيطرة التنظيم على مدينة الموصل في يونيو/ حزيران 2014 حتى أطلق إذاعة البيان، ففي أواخر شهر يوليو/ تموز سنة 2014 بدأت المحطة تبث برامجها متخذةً من مبنى إذاعة الزهور المحلية بالمدينة مقراً لها، وتنشر الإذاعة كل برامجها ونشراتها الإخبارية على شبكة الإنترنت بشكل يومي، بخمس لغات هي العربية، الانجليزية، الفرنسية، الروسية والتركية. وتتوزع الشبكة البرامجية للمحطة بين البرامج الدينية، السياسية، الإخبارية والدعائية. وبالرغم من تغيُّر الخارطة البرامجية للمحطة باستمرار غير أن لها أركان إذاعية شبه ثابتة وهي: فقرة القرآن الكريم، خطب منبرية، برامج تفاعلية، محاضرات، فقرة القصائد والأناشيد الجهادية، فقرة الأذكار والأدعية وأخيراً النشرة الإخبارية التي تُبث بشكل يومي. ورغم التأكيدات التي صدرت يوم الجمعة 29/06/2017 عنخلية الإعلام الحربي العراقية التي تؤكد السيطرة على أغلب مناطق المدينة القديمة في الساحل الأيمن للموصل وكذا تصريحات كانت قد سبقتها للمتحدث بإسم قيادة العمليات المشتركة، العميد يحي رسول، قال فيها أن “المدينة القديمة في الساحل الأيمن للموصل لم يتبق منها سوى نسبة أقل من 1%”، مشدداًفي بيان أصدرته قيادة العمليات المشتركة على قرب إعلان هزيمة التنظيم وطرده من المدينة، غير أن الإذاعة اللغز لازالت تبث برامجها بشكل يومي إلى غاية كتابة هذه السطور. ولمحاولة تفكيك طلاسم هذا اللغز كنت قد نشرت مقالاً بتاريخ 10 فبراير/ شباط 2017 تحت عنوان “إذاعة البيان: أهم أذرع تنظيم “الدولة الإسلامية الدعائية أو صوت (الخلافة) الذي لم يصمت”، وقدر رجّحت فيه أن يكون التنظيم قد نقل المحطة وكل معدات بثها الإذاعي الى مدينة الرقة السورية التي لازال يسيطر عليها، وبعد هزيمة التنظيم وطرده كلية من الموصل ستتضح الحقيقة حول إذاعة البيان التي لازالت تبث برامجها بجودة صوت عالية، وتختلف الإذاعة عن بعض وسائل الإعلام الأخرى كوكالة “أعماق” مثلاً التي لا يتطلب تحديثها الكثير من الأجهزة ولا حتى الأطقم الصحفية، بينما يتطلب البث الإذاعي وجود استوديو مجهز على الأقل ومذيعين ومحررين متفرغين، ناهيك عن تقنيين وفنيين من أجل الحصول على جودة الصوت والبث الإذاعي عموماً.

4/ مصير الصحفي البريطاني جون كانتلي الرهينة لدى التنظيم:

اُختطف المصور الصحفي البريطاني، جون هنري كانتلي، رفقة زميله الأمريكي، جميس فولي، في سوريا يوم 22 نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 2012. وظل مصير الصحفيان مجهول طيلة قرابة السنتين، حتى بث التنظيم شريطاً مصوراً في العشرين من اغسطس/ آب 2014 يُظهر إعدام الرهينة الأمريكي، جيمس فولي، بينما أبقى على كانتلي قصد استغلال المهارات الصحفية والإعلامية التي يتمتع بها الصحفي البريطاني. وبالفعل، كتب جيمس فولي في مجلة دابق عن عيشة الرفاهية تحت قبضة التنظيم. ووظف التنظيم فولي في حملته الدعائية التي تروّج تارة للمناطق الخاضعة لسيطرته بأنها تعيش في الرفاه ورغد العيش والعدالة الإجتماعية بينما تندد تارة أخرى بغارات التحالف العسكري الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، حيث يتم إظهار الدمار الذي لحق بالمدنيين والبنى التحتية.

وقد كان أول ظهور لجيمس فولي منذ اختطافه في الـ 18 من سبتمبر/ ايلول 2014 ضمن سلسلة إصدارات التنظيم التي حملت عنوان “أعيروني سمعكم”. كما عاود الصحفي الظهور في الـ 27 من اكتوبر/ تشرين الأول 2014 في إصدار تحت عنوان “من داخل عين الإسلام” (كوباني). وبتاريخ 03 يناير/ كانون الثاني 2015 ظهر كانتلي مجدداً متنقلاً بين أحياء مدينة الموصل في إصدار لمؤسسة “الحياة الإعلامية” بعنوان “من داخل الموصل”، ويستعرض الشريط المصور بدقة متناهية الأوضاع الإقتصادية والصحية والأمنية داخل المدينة. إلى ذلك واصل التنظيم إصدار نفس السلسلة وهذه المرة يعاود الرهينة البريطاني الظهور بمدينة حلب في التاسع من فبراير/ شباط 2015 مستعرضاً مشاهد من سير الحياة داخلها ومستجوباً بعض مقاتلي التنظيم وعامة الناس. الظهور الخامس للرهينة البريطاني كان بتاريخ 19 مارس/ آذار 2016، ويظهر كانتلي في الإصدار كمراسل تلفزيوني يُقذم تقريراً اخبارياً يتناول تدمير طيران التحالف في غارة جوية نقطة إعلامية كان يستخدمها التنظيم لتوزيع مواده الدعائية. وفي الـ 13 يوليو/ تموز 2016 نشر التنظيم مقطعاً مصوراً لكانتلي وهو يروي تفاصيل قصف طيران التحالف لجامعة الموصل. أما الظهور السابع للصحفي البريطاني منذ اختطافه فقد كان بتاريخ الـسابع من ديسمبر/ كانون الأول 2016. ففي شريط بثته وكالة “اعماق” ظهر كانتلي بجانب أحد الجسور المدمرة في المدينة مؤكداً أن هذه الجسور يستخدمها المدنيون فقط. الظهور الأخير لجون كانتلي كان بتاريخ الـ 13 ديسمبر/ كانون الأول 2016 في إصدار ضخم بعنوان “صيادو الدورع″. ويوثق هذا الإصدار تدمير عشرات الآليات المدرعة وغير المدرعة التابعة للقوات العراقية والقوات الكردية على أيدي مقاتلي التنظيم بعد مضي شهرين على أنطلاق عملية استعادة المدينة.

وإن كان أغلب الخبراء يُجمعون على أن التنظيم شكّل استثناءً في الحالة الجهادية، ونقلة نوعية وغير مسبوقة في مسار الجهادية العاليمة، ليس فقط بالسيطرة المكانية وتمكّنه من بسط نفوذه في ذروة انتصاراته على بقعة أرضية تضاعف مساحة بريطانيا وبتعداد سكاني تجاوز التسعة ملايين نسمة، بل لأنه فاجأ العالم أجمع بكل قدراته سواءً العسكرية، التنظيمية أو حتى الإعلامية التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ الجماعات الجهادية. غير أنه في النهاية أدرك أن مسك الأرض بالقوة وفرض نمط حياة معين على مجتمع متباين ومختلف تعوّد على العيش بطريقة مختلفة لآلاف السنين قد لا يدوم طويلاُ وأن نتيجته الحتمية قتل وتشريد لمئات الآلاف من الأبرياء وإعادة تلك المدن والقرى عشرات السنوات إلى الوراء، وفي المحصلة هزمية التنظيم العسكرية المحتومة مهما بلغت قوته لأنه تحوّل إلى آلة لصناعة الأعداء بمن فيهم الجماعات السلفية الجهادية الأخرى التي تشترك معه في نفس العقيدة والفكر غير أنها وجدت نفسها مُصنّفة كخصم يستوجب قتاله والقضاء عليه، ونورد هنا حالة “جبهة النصرة” سابقاً التي تحولت لاحقاً إلى “فتح الشام”. وبناءً على كل ما سبق، تُعدّ حالة تنظيم “الدولة الإسلامية” جديرة بالدراسة والتحليل من قبل الباحثين بعيداً عن نظرية المؤامرة والأحكام المُسبقة الجاهزة التي تعوّد عليها العقل الجمعي العربي لتفسير كل الظواهر والمستجدات.

البشير محمد لحسن، باحث متخصص في الدعاية الجهادية.



بالفيديو تسجيلات الفريق الاعلامي من المناطق المحتلة (نافذة متجددة)

[tubepress mode=”user” userValue=”EquipemediaSahara”]